03 فبراير, 2012

زُرقـَة بـحْـر... و مـوعـد (22)






جلس على كرسيّ مكتبه وهو شارد الذّهن و بحركة لا إراديّة دفع فنجان القهوة فسكب ما فيه على بعض الأوراق الإدارية، تمتم قائلا: أكان ينقصني هذا ؟ أخذ الهاتف الإداري و اتّصل بغرفة عاملات التنظيف قصد استقدام إحداهن لتنظيف المكتب و إزالة المسكوب من القهوة، عندما رنّ الهاتف ردّت عليه رئيسة العاملات و وعدته أن إحدي العاملات ستأتيه فورا للقيام بما هو مطلوب. عندما دخلت عاملة التنظيف و رأته على غير عادته فاقدا لابتسامته و بشاشته و مكفهرّ الوجه، قالت: لا بأس لا بأس، سأعيد كل شيء نظيفا كما كان ثمّ لا تنسى أن من يسكب قهوته صباحا هي علامة بأنّ اليوم سيكون سعيدا و مباركا و دلالة على التفاؤل، هكذا في عاداتنا و أعتقد أنّه كذلك في عاداتكم، ردّ عليها قائلا: نعم، هكذا يقال عندنا أيضا، لكنّني لا أعتقد في هذا الكلام، ثمّ قام و أعطاها مفتاح باب المكتب و أمرها أن تغلق المكتب بعد أن تكمل عملها و تسلّمه له في المشرب لأنّه يريد أن يشرب قهوة أخرى.
في الحقيقة لم تكن له رغبة في الحديث لأنه يعرف أن تلك العاملة لها استعداد ملفت للثرثرة ثمّ أن اليوم لم يكن سعيدا كما تقول و أنّ انقباضه هو الذي كان سببا في سكب قهوته، فمنذ أن هاتفها صباحا أشتدّ عليه الأمر خاصّة عندما أعلمته بكل برودة أنّها ستأتي و قد لا تجد متّسعا من الوقت لتراه، بل و كادت تؤكّد ذلك دون مراعاة لما يربط بينهما، فما يربطهما هي قصة حبّ لا زالت لم تتجاوز أشهرها الأولى، قصّة تربّت في أحضانهما كالوليد المدلّل أنعشها بدفء كبير حتى تظلّ وارفة و بوصلة لقلبيهما. تساءل وهو في الطريق إلى المشرب، هل كانت تدرك ما تقول؟ هل انتبهت إلى ما اقترفته في حقّه و إلى هذا الكلام/الصقيع الذي نطقت به و إلى نبرتها الباردة و الجافّة، ماذا حدث ، هل بدأت القصّة تميل و تتّجه إلى نهايتها، و أيّ نهاية هذه ؟ هل يحقّ لها أن تقرّر وحدها ما تريد و ماذا دهاها، هل أخطأفي حقّها دون أن يدري ؟
بصمت و شرود جلس وحيدا في ركن المشرب و أشار للنّادل أن يناوله قهوة، ظلّ صامتا و هو يفكّر و لم ينتبه حتى إلى قهوته التي وضعها النّادل على طاولته،أدار السكّر في قاع الفنجان، يريدها قهوة حلوة لتزيل المرارة التي يشعر بها في حلقه، يبحث عن شيء حلو كي يجابه هذا اليوم الثقيل، هكذا هو يغيّر الأماكن و يبحث في كلّ شيء عمّا هو جميل ولا يستسلم بسهولة للسّواد و القتامة، نعم لقد رجّته و أربكته ببرودتها المفاجئة و التي لا يعلم لها سببا لكنّه سيصمد، سينتظرها حتّى يفهم ما يحدث بالضّبط، فقط كان يبحث عن تبرير لما يحدث ثمّ بعدها يقرّر إن كان سينهي ما كان بينهما من هذا الحبّ و الوله بعمليّة قيصرية و حادّة قد يكون تأثيرها مدمّرا و مزلزلا لكيانه أو قد يفقده هذا ثقته في نفسه أو في النّساء عموما، لكنّه ظلّ يطمئن نفسه، لا يريد أن يعيد قصصه القديمة لأنه سئم الجراح وكان يعلم بأنّ جرحه لن يندمل و لو بعد سنين، كان متأكدا أنّه سينزف كثيرا و أن كلّ الضمائد قد لا تكفي لوقف النّزيف لكنّه قد لا يبرأ و لن يستعيد عافيته كعاداته الأولى.
يال هول ما يحدث؟... أبدأ يفكّر في الرّحيل وهو أعلم بأن الوقت و العمر قد لا يسعفانه برحيل جديد؟ هل لهذا القلب المتعب و المنهك قدرة على يجدّد جواز السّفر للرّحيل الكبير؟ اعتراه خوف من المجهول لم يتصوّر أنه يحبّ في هذه الفترة الوجيزة و يرحل في فترة أوْجز، ارتشف قهوته و في جرعتها الأخيرة، تبسّم ابتسامة سخرية لأنّه لم يتذوّق طعم السّكر في قهوته، حتّى السكّر يرفض أن يستجيب ويحجب حلاوته، تأتي عاملة التنظيف بمفتاح المكتب وهي مبتسمة و قائلة:شربت قهوتك؟... فيها الشفاء إن شاء الله، ألم أقل لك إنّه يوم مبارك؟ تفضل، هذا مفتاحك، المكتب نظيف كما تريد و أكثر، أنت تعرف أنّني أقوم بعملي بكلّ جدّ و إخلاص و حرفية عكس زميلاتي لذلك يفضل الجميع أن أكون في خدمتهم، رغم ذلك لم أتحصّل على صنف مهني أعلى منذ ستّة سنوات، "الله غالب" أنا غير محظوظة، لعلّك ستساعدني هذه السنة لأكون ضمن المصنّفات مهنيا، أنت تعلم حالتي و... شكرها و أخذ منها المفتاح واعدا إيّاها بالمساعدة و عرض المسألة على من له النّظر، كان يجب عليه أن يرجع لمكتبه هروبا من حديثها الذي لا ينتهي و رغبة في أن ينفرد بنفسه لأنّه يشعر بالضيق و التبرّم.
يمرّ اليوم ثقيلا ركيكا، لم يقم بواجبه المهني لأنّه لم يجد أيّ رغبة في ذلك،قرّر أن يغادر العمل، عندما يعود لبيته يفتح جهاز التلفاز ثمّ يستلقي على الأريكة، لم ينزع ثيابه و لم تكن له رغبة في أن يذهب لسريره، لعلّه أراد أن يهرب من حافظة الملابس، من المنديل الورقيّ الأبيض، من شعرة رأسها الذهبية التي احتفظ بها كدرّة ثمينة، يشعر ببرد في أطرافه، أراد أن يحتمي بغطاء ، كم هو في حاجة إلى الدّفء؟ الى وهج أنفاسها، إلى حضورها في هذا الوقت الذي يشعر فيه بالإنهاك أو..بالهزيمة، تراجع في رغبته، ماذا سيفعل بحضورها البارد؟ قد يزيده ألما و ضيقا، لا بديل عن الغطاء فالبرد غزى جسده بأكمله، نهض و اتجه نحو سريره أخذ غطاءه و خرج مسرعا كأنّه يهرب من شعرة رأسها الموجودة في هذا المكان لم ينظر حتّى لحافظة الملابس، فهم أنّه فقد شجاعته و أن النّوم في قاعة الجلوس و على أريكة قد تجعله أكثر راحة حتّى يسرق ساعة أو ساعتين من النّوم لأنّه يعرف أن ليله سيكون طويلا و ثقيلا و أن الأرق سيستبدّ به.
يغلق جهاز التلفاز و يطفئ النّور و يرتمي على الأريكة بثيابه يحتمي بغطائه طلبا للدفء، تتوالى الصّور كشريط سينمائي توثيقي، صورها وهو يقابلها أوّل مرّة في موعد شيّق كان يريد أن يراها و لو للحظات ثم بعدها تذكّر كيف أفتكّ برضاها ما يكفيه من الوقت، كانت في مهمّة مهنيّة لكنّها لم ترفض مقابلته بل سرقت من وقتها المهني ما كفاهما، أذا كيف تقول اليوم أنّها قد لا تجد من الوقت متّسعا و أنّ شغلها قد يمنعها من أن يراها ؟ صور أخرى تمرّ بعض الظّنون تأكله جسده ، سينتظر الصّباح بفارغ الصّبر، يستجدي النّعاس فلا يستجيب . أيّها النّوم أعتقني و خلّصني من هذا الظلام و هذه الكوابيس هكذا كان يردّد في داخله، خبّا رأسه تحت الغطاء و أغمض عينيه قد يسعفه غطاءه و يهبه نوما ليختصر مسافة الوقت ويرى نور الصّباح.
لا يعرف كم نام و متى أخذه النّعاس فقد أضاع مواقيته و بوصلته، اندفع من تحت غطاءه كالمرعوب، لا يجب أن يضيع الوقت فقد استجاب له النّوم في النّهاية و ها أنّ أشعّة الشّمس تسطع و تتسلّل عبر النّافدة، يلتفت إلى السّاعة الحائطية و يتطلّع لمعرفة الوقت، يطمئن، لا زال الوقت كاف، إغتسل وصفف شعره بسرعة ثم لبس حذاءه و خرج لتوّه متّجها نحو المحطة، لم يشرب قهوته المعتادة و لم يشتري جريدته ولم يفكّر في أن يهبها وردة صباحيّة فقد تعطّلت كل حواسّه و لم يعد للورد معنى، أخذ هاتفه الخلويّ و كلّمها كان جادّا وجافّا في نبراته عندما قال لها: صباح الخير، ستجدينني في إنتظارك، يجب أن أراك عندما تصلين الى المحطّة ارجو أن تهاتفيني، لم ينتظر ردّها فقد قرّر أن لا يترك لها أيّ مجال لمقترح آخر و أن يأخذ الأمر بيديه، قد تكون همهمت لمّا كلّمها أو أرادت أن تقول شيئا لكنّه أغلق الهاتف، كان يشعر بغضب شديد، لذلك لم يتمالك أعصابه و فقد كل رقّته و لينه المعتاد و صُمّت أذناه و شعر بطنينهما، نعم كان عصبيّ المزاج وهذا لا يحدث دائما إلا عندما يشعر بالعجز أو بأنّ شيئا مّا يهرب من بين يديه فجأة ودون سابق إنذار، عندما وصل للمحطّة وقف في مكانه المعهود جامدا كالصّخر و باردا كليل الشّتاء، لم يرتجف ولم تأخذه الرّعشة ولم يشعر بتلك الخربشة في قلبه ولم يخفق خفقات المشتاق كما كان يحدث سابقا عندما كان يستقبلها.
رنّ الهاتف ففهم أنها هي، تثبّت في شاشته ثم أرجع الهاتف و نظر في بهو المحطّة فرآها قادمة على عجل و بيدها حقيبة بنّية اللّون وباليد الأخرى هاتفها المحمول، تقدّم منها غير واثق من نفسه وارتبك بعض الشيء لذلك أراد إخفاء غضبه الظّاهر في علامات وجهه و سحنته المتوتّرة لكنّه لم يفلح ، مدّ يده الباردة إليها ليصافحها، لم ترتعش يده ،مدت يدها بدورها، ثلج يصافح ثلجا و برد يتصادم ببرد، لم يقبّلها كعادته بل لم يبتسم حتّى، فهمت أنه على غير عادته فأرادت معاتبته بأن قالت له:أنت بخير، مالك ؟ قال: إممم... لا، لا شيء، قد يكون هذا غير مهم الآن. أظنّك بخير و أتمنى ذلك و... قاطعته قائلة: سبق و أن قلت لك بأن لا تأتى سأرى إن كان هذا ممكنا في المساء، أي بعد أن أنهي ما أتيت من أجله، كان عليك أن لا تتعب نفسك و تكلّفها هذه المشقّة. قاطعها بدوره قائلا: أيّة مشقة ؟ كأنك لم تفهمي بعد، ما يشغلني ليست المشقّة كما تتحدثين بل تغيّرك المفاجئ، ما يحدث الآن لم أعتد عليه من قبل، على كلّ سأرى إن كنت ستأتين هذا المساء أم... إن كان كذلك ستكون فرصة لأفهم ما يحدث.
إستقلاّ سيّارة التّاكسي وتوجّها إلى الوجهة المطلوبة كان صامتا ينظر يمنة ويسرة لكن هذا لم يمنعه من تأمل أصابع يدها التي طالما رفّت بين أصابعه تذكرها عندما كان يمسكها من يدها كالطّفلة الصغيرة وهما يجوبان شوارع المدينة ، كانت تتأمل بدورها وجهه الممتقع خلسة، لم تنبس ببنت شفة و كأنّها فهمت أنه في أوجّ غضبه و أنه من الأجدى تجنّب الحديث الذي قد يزيد الأمر تعقيدا، عندما وصلا أصرّت أن تدفع أجرة التاكسي عوضه ممّا زاد في غضبه و انفعاله فقد كان تصرّفا استفزازيا في نظره، فلم يحدث هذا من قبل و أيّ معنى لهذا الإصرار ؟ لما همّ بالمغادرة قالت له بنبرة جادّة: كن واثقا أنّني سأوفّر بعض الوقت لأراك هذا المساء، فأنا بدوري أريد أن تتّضح بعض الأشياء الهامّة. نظر في وجهها ثم قال: إممم سأرى...إن لم تجدي متّسعا من الوقت فلا تتعبي نفسك، قد تكونين محقّة فقد لا ينفع هذا اللّقاء في شيء...ثم غادر المكان.
سيتدبّر أمره و لن يذهب للعمل هذا اليوم لأنه يرفض أن يذهب للعمل متوتّرا و على تلك الحال فهذا لا ينفع في شغله أيّ شيء و ليس له استعداد في يرى أحدا من زملاءه أو أن يتحدّث لأي أحد منهم، شعر أنه بحاجة في أن يجلس في مكان لا يعرفه فيه أحد و أن يتناول قهوته الصباحيّة دون ثرثرة الزّملاء تصحبه فقط جريدته اليوميّة لذلك سار في الأنهج الجانبية للمدينة حتى يتجنّب أي كان من أصدقاءه في الشارع الرئيسي وهناك في أحد الأنهج الضيّقة عثر على ضالته، مقهى هادئ و نظيف قليل الروّاد وذو أنوار خافتة ومريحة...جلس في ركن بعيد عن الباب الرئيسي و طلب قهوته و غرس رأسه في صفحات جريدته ...
تناسى أمرها تماما كأنّه لم يكن ينتظرها، و رأى أن غضبه تجاوز حدّه و أنّه كان عليه أن يتماسك أكثر و أن يتبيّن سرّ انكماشها و برودتها و بعدها يقرّر ما يراه صالحا، فمن الحكمة أن يتروّى قليلا و أن لا يظلمها حتى يكون قراره سليما، بدأ و كأنّه يطمئن نفسه أو لعلّ تأكيدها بأنّها ستبذل جهدها لتراه في المساء جعله يتراجع قليلا و يراجع مواقفه منها و يتريّث في الأمر، لكن هذا لا ينفي أنّه بقي ينتظرها بشكوكه و ظنونه و رغبته في أن يطفأ لهيب الشكّ، و ذكّر نفسه في النهاية أنّه رجل و أن عليه أن يحبّ كما يحبّ كل الرّجال الشرفاء بعشق ملتهب و بتكافؤ كامل و دون حسابات أو أن يغادرها مغادرة الرجال النبلاء و دون غرور أو ترفّع لذلك بدأ يشعر باطمئنان و شعر بأنه بدأ حاسما في كل الاحتمالات أكانت سارّة أو حتّى صعبة...
مرّ الوقت بين الأمل و اليأس لم يشعر بالجوع، فقط شعر بعطش شديد لذلك طلب من النّادل قارورة ماء بارد فقد كان يحبّذ الماء البارد حتى في فصل الشّتاء، أطفأ عطشه ثم قرّر أن يتمشّى قليلا حتى يخفّف وطأ الانتظار، ساقته قدماه إلى الشّارع الرئيسي بعد أن تجنّبه عند نهاية الصباح فلم يعد يهمّه من سيرى من أصدقائه فقد اكتفى بانفراده طيلة هذا الصباح و ما مرّ من الوقت. عندما وصل منتصف الشّارع و عند حدود تمثال " بن خلدون " رنّ الهاتف في حدود السّاعة الثالثة مساء... نظر في شاشة الهاتف و تأكّد من أنها هي من كان على الخطّ...


يُتْبَعُ....

23 يناير, 2012

خُبزٌ عاجل...و أكسيجين...



في الحديث عن 14 جانفي 2012



"Ce n'est pas la révolte en elle-même qui est noble, mais ce qu'elle exige." Albert Camus

حلّت الذكرى الأولى لرحيل الديكتاتور "بن عليّ" من كرسيّ الحكم أو ما اتفق عليه جلّ الشعب التونسي بعيد الثورة أو ما سمّاه البعض الآخر بثورة الياسمين كما سمّاها البعض الآخر بثورة الجياع على أنّني لا أستطيع أن أسميها إلاّ بالانتفاضة الدّامية الثالثة للشعب التونسي على أساس أن الحكم على الثورات من عدمها لا يتم موضوعيا في ظرف سنة أو حتى أكثر. تمّت الانتفاضة الأولى بتاريخ 26 جانفي 1978 وهو ما أطلق عليه بانتفاضة "الخميس الأسود" و التي راح ضحيتها العديد من الشهداء منهم من مات برصاص قوّات القمع أو تحت التعذيب الوحشي لآلة القمع البورقيبية الرّهيبة والتي يعلم الكل تفاصيلها على أنّني و سأعود لها لاحقا لارتباطها بحقبة تاريخية هامة تتعلّق بالحركة النقابية في تونس في أواخر السبعينات (و مؤتمر قفصة 1981 إ.ع.ت.ش) و التي كنت حاضرا على بعض تفاصيلها و أعلم بعض جزئياتها بحكم نشاطي النّقابي، أمّا الانتفاضة الثانية فهي انتفاضة الخبز التّي تمّت بتاريخ نهاية شهر ديسمبر2003 حتى3 جانفي 2004 و التّي انتهت بخطاب "بورقيبة" الشهير الذي قال فيه " نرجعو وين كنّا" أين نعود الى تسعيرة الخبز السّابقة للانتفاضة، بعد أن راح ضحيتها العشرات من الشهداء و المئات من المساجين الذين وقع التنكيل بهم بعقلية التشفّي و الغلّ البوليسي الأعمى.
و لئن فشلت الإنتفاضة الأولى و الثانية في الإطاحة بنظام " بورقيبة" بحكم أنّه كان مسنودا بحزب سياسي فاشي منظم في شكل عصابات و مليشيات " صيّاحية" ( نسبة الى محمد الصيّاح وزير بورقيبة الأقرب إليه) و بجهاز بوليسي قمعي و دموي يعتمد التصفية الجسدية خاصّة في صفوف الطلبة و النشطاء السّياسيين و النّقابيين ثمّ بمساندة لوجيستيّة و سياسية من الدول الغربيّة الإستعمارية و الإمبريالية و على رأسها فرنسا و أمريكا و بذلك دام حكمه ما يزيد عن مدّة 30 سنة، فإن إنتفاضة واحدة كانت كافية لإسقاط نظام " بن عليّ" الذي دام 23 سنة و الذي تهرّأ من الدّاخل و صار كالثمرة الفاسدة التي لا تصلح إلاّّ إلى الزّبالة كما أن هذه الفترة أنتجت مؤسسات فساد مالي و أخلاقي مرتبطة بعصابات "مافيوزية" من أصهاره و عائلته و بعض المرتبطين بهم من الداخل و الخارج .
كان لي شرف حضور آخر إنتفاضة حتى ساعاتها الأخيرة كمشارك بالقدر الذي أستطيع و مراقب و متابع للأحداث المتواترة و التي فاجأتنا بنهايتها السّعيدة كما حضرت سابقاتها في 1978 و 1983~1984 و قد كنت أستحضر تلك الأيّام الرائعة التي سبقت 14 جانفي (يناير) بصورها الجميلة التي كانت تدل على قمّة تحضّر هذا الشعب و صبره و مدى جاهزيته للتعامل مع كل المواقف العصيبة استنادا إلى خبرته التي حصّلها في الإنتفاضات السّابقة و إلى جيل من الشّباب الوفيّ لرغبة الشعب في إزاحة هذا النظام الجبان الذي كان سببا في كلّ المآسي التي حلّت بتونس.
أتذكّر تلك الشعارات التي وشّحت المسيرات السلمية و حتّى المسيرات العنيفة عندما يحاول البوليس قمعها و منها:
- التشغيل استحقاق يا عصابة السرّاق.
- أرض حرّية كرامة وطنيّة.
- حرّيات حرّيات إمّا نصر أو ممات
- يسقط حزب الدستور يسقط جلاّد الشعب
- الشعب يريد إسقاط النّظام
- وزارة الدّاخليّة وزارة إرهابيّة
- يا شهيد يا شهيد على دربك لا نحيد
- "ديقاج....ديقاج"...أي إرحلْ... إٍرحلْ
أعتقد أن هذه كانت أهم الشّعارات المرفوعة من عموم المنتفضين حتى لحظة هروب "بن عليّ "، فلم يكن للشعارات أيّ منحى حزبي ضيّق أو جهوي أو قبلي فقد كانت الشعارات تلقائية و جامعة لأهمّ مطالب الشعب التونسي في الحرّية و الشغل و الكرامة سندهم في هذا الشهداء الذين يتساقطون شهيدا وراء شهيد وهو ما أجّج نار الحقد على نظام الفساد و ألّب الشعب ضدّ أزلامه و رموزه فجابههم بكل شموخ و عزّة.
بعد هروب " بن عليّ" تبدلت فجأة الحسابات بعد قدوم رهط من السياسيين الذين كانوا يعيشون رغد العيش و راء البحار و ينعمون بحرّية بلدان الغرب " الكافرّ" و يسبحون في برك مالية متأتّية من أنظمة البترودولار و العمائم القروسطية أو بعض المنظمات "الخيريّة" المدعومة من أنظمة مشبوهة بارتباطاتها الصهيونية و المعادية لتطلّعات الشعوب سواء في الغرب أو في الشرق.
هذا الرّهط من السياسيين وقع تدريبهم مسبّقا في مخابر المخابرات الأمريكية و وقع تجهيزهم بكلّ الوسائل الماديّة للانقضاض على المكتسبات الجنينية التي حقّقتها الانتفاضة الفتيّة و تقليم أظافر هذا الشعب بما يتناسب و مصالح تلك الدول مقابل تسهيل الوصول للكرسيّ الذي تركه " بن عليّ"، فعلاوة على الدعم المالي الضخم الذي وقع توظيفه لشراء الذمم و استغلال مظاهر الفقر و حاجة النّاس لدعم مادي لمجابهة العوز فأن آلة إعلامية رهيبة كقناة " الجزيرة" و قناة " العربيّةّ" اللتان حازتا "ثقة" المواطن العادي نظرا لغياب المصداقيّة و التعتيم الإعلامي الذي مارسته القنوات التلفازية البنفسجية في تونس في عهْديْ بورقيبة و بن عليّ، فكانت "الجزيرة" و " العربيّة" تمارسان دورا في الدّعاية الموجهة بما يخدم مصالح هذا الرّهط من السياسيين و مصالح ملوك و أمراء البترول المعادية لتطلّعات الشعوب العربية في الديمقراطية و التحرّر وهو ما صعّب دور الوطنيين و التقدميين و الديمقراطيين بالمفهوم المتعارف.
يعود المرزوقي بعد 14 جانفي لتونس ببشائر "نبوءته" أو بمشروع" الجماعة" وهو يصيح قبل الانتخابات " أنا الرّئيس المقبل...أنا رئيس تونس" وهو ما يدعو للغرابة حقّا، فكيف ل" مناضل" حقوقي و عضو حزب قزمي لا يتجاوز أعضاءه في ذلك الوقت بعض العشرات أن يبوأ نفسه رئيسا قبل الانتخاب وعن أيّ ديمقراطية يتـحدّث هـذا " الحقوقي" ؟؟ ثمّ يعود بعده الشيخ " راشد الغنوّشي" في " دخْلة" تشبه دخلة جمهور أحد فرق كرة القدم في تونس للملعب في يوم " الدربي" و تحت أهازيج و إنشاد ديني ك " طلع البدر علينا " في تشبيه غير متكافئ لعودة الرسول (ص) من المدينة لمكّة ك"فاتح" الأندلس ثمّ يلتحق به العشرات من التكفيريين و حتّى الذين لا يؤمنون بمدنية الدولة أو بالتطام الجمهوري و الذين يرفعون راية الخلافة طورا أو راية الولاء للخارج ( تركيا،قطر،أمريكا مثلا...) غير عابئين بحب الشعب التونسي للحياة المدنيّة المنظمة و كـرهه للأفغنة . من هنا نفهم أن مشروع الإجهاز على المكتسبات التحرّرية و الديمقراطية على قلّتها جاهز و مطبوخ خارج البلاد و بأيادي مجهولة ظاهرها الدولة القزمة القطرية وخافيها أصابع المخابرات و الأجهزة العدوة.
تبدّل المشهد السياسي تماما و تحوّل إلى مشهد ثاني فقد كثرت أعمال الحرق و النهب و السّرقة و قطع الطرق التي تضرّر منها الكثير ثمّ بعدها ظهرت مطالب ضيّقة مرتبطة بالجهويات و العشائر ذات منحى أناني لا يشرّف ما قام به جيل الإنتفاضة في تونس و كثرت النعرات التكفيرية في الجامعات و المدارس خاصة و ظهرت أقليّة دينية تريد أن تفرض نمط حياة على الشّكل " الوهّابي" المتخلّف مستعملة الترهيب و التهديد و ظهر " أمراء" في الجهات الداخلية تأسّيا ب"السلف الصالح" و إرضاء للأمراء و الملوك الوهّابيين في الخليج، و بذلك وقع تهميش المطالب الأساسية للشعب فبعد مطالب التشغيل و العدالة و الحرّية و تكافئ الفرص و دعم الجهات المحرومة و وقف تغوّل الدولة حتى تتحوّل إلى دولة القانون أصبحت المسألة تتعلّق حول حريّة المنقبات في الدخول للجامعات و المدارس دون ضوابط أمنية و تدريسية و هل الشعب مسلم أو كافر و ما عقوبة شارب الخمر أو تارك الصلاة و أين تتنزّل مسألة تعدّد الزوجات و هل السّافرة لها حقوق المنقّبة و المحجّبة و هل نظام الخلافة أصلح من النظام الجمهوري و هل المزاج القطري أسلم من المزاج السّعودي....؟
كان يُراد لهذا المطالب أن يقع تهميشها كما كان يُرادُ للمواطن أن لا يشعر بالأمن و أن يشعر أن تغوّل الدولة أمر لا بدّ منه وأن القمع قد يكون الحلّ الأنسب لذلك تُرِكَ العنان لقطّاع الطرق و المنحرفين خرّيجي السّجون لكي يفرضوا قانون الغاب في بعض القرى و المدن و الأحياء و للحقيقة فإنّ الوزير الأول السّابق "السّبسي" صاحب "هيبة الدولة" الوهميّة كان له دور في هذا الإنفلات الأمني باعتبار أنّه يرى نفسه "لاعبا" سياسيا محتملا للفترة القادمة و أن الفشل الأمني سيجعل من عامة الشعب يحنّ للعهد البورقيبي الذي يرى نفسه أنّه "الوريث" الأكثر نصيبا فيه من غيره متناسيا أنّ هذا الجيل الشّبابي الذي كان له شرف إسقاط "بن عليّ" لا يعرف "بورقيبة" أصلا.
بعد انتخابات 23 أكتوبر 2011 و بعد ظهور النتائج الانتخابية تبيّن أن المجهود" القطري" لم يذهب سدى فقد حصدت التيارات الإسلاموية أكثرية المقاعد و ليست أغلبيتها (سياسيا هناك فرق بين الأكثرية و الأغلبية) و قد ساعدهم في ذلك الغباء السياسي و التشرذم و " عوز" المال السياسي و سوء إدارة الحملة للأحزاب اليساريّة و الوسطيّة والديمقراطيّة و حتّى الدينية المتسامحة و الغير مسنودة خارجيا. و بناءًَََ على هذه النتائج و الهزيمة المنتظرة و الغير مفاجئة للأحزاب و المجموعات المحترزة أو المعترضة على الأحزاب الدينية فقد تشكل تحالف حزبي ثلاثي فيه الكثير من الانتهازية السياسية من طرف حزب " التكتّل" خاصّة ثم المؤتمر الذي يضم في صفوفه بعض الوجوه الديمقراطية و الرافضة لاستعمال الدين للوصول إلى الكرسي لكن يبقى تحالفه مفهوما مند العودة " التبشيريّة" لزعيمه ّالمرزوقيّ و التدريبات المضنية التي تلقاها في كيفية السير على البساط الأحمر حتّى أن أمير قطر(ضيف الثورة التونسيّة؟؟؟) أنتقده علنا على جهله مصافحة الأمراء و غيرهم. تشكّلت هذه الحكومة تحت التدقيق السياسي لأمراء قطر فوقع مثلا تعيين عبد السلام بوشلاكة صهر "الغنّوشي" (المرشد الأعلى للثورة) و ممثّل قطر في حلف " الناتوّ هذا الحلف و الذي تسبّب في قتل قرابة نصف مليون طفل عراقي ثمّ الذي كان و لا يزال السند العسكري الدائم للكيان الصهيوني كوزير للخارجية لحكومة " الثورة" التونسية ، و وقع تعيين الابن المدلل لقناة "الجزيرة " القطرية و للنظام السابق "طارق ذياب " كوزير للرياضة ...
عندما أراجع حصاد " الثورة" التونسية بعد مرور سنة فقط، أجد أنّ الحصاد مرّ و ضحل و مخيّب للآمال فقد قامت الثورة من أجل الحرّية الفرديّة و الجماعية على أنني أرى اليوم مجموعات سلفية جهادية تبني إماراتها (إمارة سجنان مثلا ) و تتوعّد الناس بالقتل و حرق البيوت و العنف تحت الأنظار الرّاضية لحكومة الإتلاف "الترويكي" المتواطئة معهم، أو عندما قامت الثورة من أجل الكرامة الوطنيّة و استقلال القرار السياسي بما يرفع من هامة التونسي أمام شعوب العالم، نجد أننا هربنا من الإملاءآت الفرنسية و الأمريكية إلى إملاء دول قزمية متخلّفة في جميع الميادين الحقوقية و يسودها نظام عشائري و قبلي يعود للقرون الوسطى و تعتقد أن بمالها البترولي تستطيع شراء ذمم الشرفاء و الوطنيين ز المحترزين على أنظمة العمالة و القاعدة الخلفية للصهيونية. قامت الثورة من أجل حريّة الصحافة و الإعلام للخروج من قاعدة الإعلام البنفسجي السّابق غير أنّني أرى ما يحاك اليوم ضدّ الصحفيين من شراء للذمم للإرجاع الإعلام إلى ما كان عليه في السّابق أو التهديد بالاعتداء الجسدي على الصحافيين و ممارسته ماديا أمام العموم في الطريق العام و التهديد بغلق و حرق مؤسسات إعلامية ذنبها الوحيد أنها تختلف في الرّأي مع ماسكي السّلطة كما أنّ حادثة "المؤقت" التي أثارت غضب السلطة المؤقتة و التي ترى في نفسها سلطة "أبديّة" تدلّ على مفهوم التداول على السّلطة لدى هؤلاء .
لن أتحدّث عن البطالة المطلب الرئيسي لشباب الانتفاضة المجيدة لأنني أعتقد أن المسألة مستعصية و شائكة و لا توجد عصى سحرية لحلّها بين عشيّة و ضحاها لكنّني أري أن جيش العاطلين أنضاف له جيش جديد سواء من الخرّجين الجدد أو ممن أغلقت المؤسسات التي تشغّلهم بسبب انعدام الأمن أو بسبب الإعتصامات العشوائية هذه الاحتجاجات التي تفاقمت بعد الانتخابات لم تكن بسبب ما تدّعيه النهضة و حليفاتها في الحكم بأن أطرافا يسارية خاصة و شيوعييه و " العياذ باللهّ" تأجّج الاضطرابات لكنّ الحقيقة غير هذا فلو كان لليساريين كل هؤلاء الأنصار و كلّ هذا التأثير لانتصرا بكلّ بساطة في انتخابات 23 أكتوبر. المسألة تتعلّق بوعود انتخابيّة وقع توزيعها يمينا و يسارا على جموع الفقراء و المناطق المحرومة للحصول على أصوات النّاخبين بطريقة لا أخلاقية فيها الكثير من الكذب و الوعود الزائفة و الحركات الاستعراضية على شاكلة حزب "بن عليّ" سابقا كالزواج الجماعي الدعائي للعاطلين عن العمل على رأي المثل التونسي " عاري المؤخرة و في إصبعه خاتم ذهبيّ" أو " ما لقاشْ خبزة يلمْلمْها غير عروسة يكلّمْها " ، أو ظاهرة الختان الجماعي و قفّة "سيدي رمضان" التي فيها نصّ " هذا من فضل الله ... حركة النهضة"،أو هات بطاقة التعريف (الهوية) و خُذْ 40 دينار و هذا ما صار في فترة الرجوع المدرسي أي قبل شهر من الانتخابات، هذا ما كان معلوما أما ما كان مستورا فهو أكثر.
قلت أنّ حلّ مشكلة البطالة وهي أمّ المعارك الاجتماعية بحقّ،لا يتم بإنشاء صندوق زكاة في ظلّ "الخلافة السّادسة" و لا ب 500 مليار يهبها أمير قطر في شكل مذلّ لشعب الانتفاضة في تونس في حين يحتفظ بمئات المليارات التونسية المنهوبة من خزائن الشعب التونسي باسم أصهار "بن عليّ" في قطر و الإمارات و السعودية الحاضنة للصّ الهارب باسم الإجارة الإسلامية الوهّابية . أن حلّ الجزء الأكبر من مشكل البطالة يتم عبر مراجعة أساليب التنمية في كل الميادين و تفعيل الرأسمال الوطني و مراقبته ماليا حتى نتجنّب القروض الوهمية التي" أبدع" فيها تجّار الدماء و إعادة تأجير الأراضي الفلاحية العمومية بمقاسم جديدة لا تتجاوز ال20 هكتارا للفرد الواحد مع كراس شروط صارم و يحددّ عدد اليد العاملة الفلاحية التي يجب أن تشتغل في تلك القطعة و سنّ سياسة جبائية عادلة و مجزية للذين " يغامرون" بمشاريع في المناطق المحرومة و فتح الباب للمبادرة الفردية بمراقبة عليا للدولة و يتم هذا في ظلّ تسيير حكومة وحدة وطنية تسهر على حماية الأموال العمومية و تراجع الامتيازات العينية لكبار موظفي الدولة و حتى متوسطهم كالسيّارات الإدارية و المحروقات و الكراءات العقّارية و عروض البيع و الشراء و البتّات و المهمات الوهمية في داخل و خارج البلاد.
قد تكون مثل هذه الإجراءات مخفّفة و مزيلة لحالات الاحتقان التي نشهدها اليوم في تونسنا الجميلة بدون الذئاب و خنازير الردّة و البترولّ... فقط الاعتماد على الذّات و الشفافية في التسيير و الحفاظ على المال العام و حسن توزيع الثروات و نبذ البيروقراطية الإدارية و عدم مركزة الإدارة و العدل بين النّاس الذي هو أساس العمران و احترام الحريات، كل هذا كفيل بأن نرى النور في نهاية النّفق...و إلاّ ؟؟؟

09 يناير, 2012

زرقـة بـحـر... و مـوعـد (21)


من كان منهما السّجين حقّا ؟

أهْوَ الذي يمرّ كلّ صباح أمام حافظة الملابس يشمّ عطرها العالق ببعض ثيابه و الذي يظهر كعلامة مرور لا يجب تجاوزها إلا بإذن منها رغم أنّه بدأ يتضاءل و يضيع شذاه يوما بعد يوم كما يحدث للوردة التي أتعبتها الباقة ففقدت نظارتها و جلّ شذاها؟ يتفقّدها و يرتّب قميصه من جديد حتى يحفظ البقية الباقية من عطرها لأقصى أمد ممكن ثمّ يتفقّد منديله الأبيض الورقيّ و يفتحه ليرى شعرة خصلتها و يدسّها من جديد و يحفظها تماما كشعرة معاوية يسحبها حين تغيب صورتها من مخيّلته و يرخيها حينما يكون حضورها ساطعا و يملأ كلّ الفراغات التّي أحدثها غيابها السّابق؟

من كان منهما السّجين حقّا ؟

أهْو َ الذي يعودها كلّ صباح و يقرئها السّلام و يطبع يأنامله خطوطا تنتهي إلى و جنتها فينبت الأحمر الورديّ على خدّها و يشتهي القبلة و يُعْلِمُها أنّه سيحتفظ بها سجينة مدلّلة على رفّ خزانته حتى يثأر من كلّ المسافات التّي أبْعَدتْها عنه و حرمته القبلة الشّهْوة و جعلته رهينة موعدٍ قد يأتي و لا يأتي و رهينة مزاجها المتقلّب و رهينة ظروف خارجة عن نطاقهما و لا يجدان لها حلاّ و لا سبيلا ؟

من كان منهما السّجين حقّا ؟

أهْيَ التّي جَعلتْ البحر قِبْلتَهَا تُداعِب موجه و تقطع شباكه و تطلق سراح كلّ أسماكه بأمرها أميرة للبحر و سيّدة لجّ ماءه الأزرق، تسوس موجه و تروّضه فيدفع بزبده و يرفع راية بيضاء كإشارة انصياع و سلام فتعلن انتصارها في وجه هذا الأزرق البحري و تجعل من رماله بساطا لمملكة تمتدّ على كلّ هذا المدى المترامي...

من كان منهما السجين حقاّ ؟

أهْيَ التي تركتْ أثرا لعِطْرها و شعرةً من خِصْلتها لتربطه و تدقّه وتدا في نحْر ِنسيانه فلا يغيب طيفها و يصبح مكانها ثابتا حتّى في ظلّ غيابها و لا ينشغل عنها في صحْوةٍ أو سُبَاتٍ لتتفرّغ لبحرها مطمئنة واثقة من أنّها أحْكمت رباطه و اقتحمت كل مساحاته ؟

من كان منهما السّجين حقًّا ؟ سؤال ظلّ يطارده و يتعقّبه ليلا نهارا دون الجواب الشّافي مع أنّه كان و لا زال يودّ أن تكون هي سَجِينَتَهُ حتّى يكرم وفادتها و يفتح نافذتها صباحا فتفتح جفونها لتتابع شروق الشمس و عناق شعاعها بسطح البحر و يرخي قيدها حتّى لا يخدش مِعْصمها أوْ يُدْميه و يسرّح شعرها و يناولها قَنيِنَةَ عِطرها و أحمر شفاهها و يلمّع أظافرها و يرمي شاله على كتفيها فيمْنع عنها برد الشّتاء و يحجبها عن عين خبيثة تتابعها و يعدّها كعروس لاستراحتها اليوميّة التي تختارها حسب رغبتها كما تختار توْقِيت رجوعها الاختياري لسجنها من جديد... لكن هل كان محقّا في أنّه هو السجّان و هَلْ و هَلْ ....؟ صار لا يدري و اختلطت السُّبلُ عليه.

يا لعب الأقدار، كنت أظنّ أنّها سجينتي و أنّني اعتقلتها في إحدى خانات غرفتي و أمّنت نفسي من عين تراها فتثير غيرتي و تلهب ناري لكنّني اكتشفت أنّني سجينها و مريدها فلا ضيْرَ في ذلك، قد يعشق السّجين سجّانه و يختلط عليه الأمر و لا يدري إن كان هذا أو ذاك، هكذا قال و هو يغادر غرفة نومه بعد أن أحكم غلق حافظة الملابس وهو يعيد نفس الحركات صباحا مساء لليوم الرّابع على التّوالي و كان كلّما خفّ وهج عطرها من على قميصه الملفوف في الحافظة شعر أنّها ابتعدت أكثر و أن البحر يلْهيها و يأخذها منه فينتفض هلعا و يكاد يصيح " أيّها الناس، أكُتِب عليّ أن أكون خِصْما و غريما للبحر ؟ دلّوني فقط عن أيّ رجل انتصر عليه و دلّوني عن سيفه و درعه فأحْذُو حِذْوَهُ و أُغْلقُ "بابَ البَحر" و أهدم "الرّباط" من جديد فأَرْتاح و أُرِيح كلّ خصوم البحر من بعدي...." .

يشرب قهوته صباحا و يراقب ساعته و يعدّ نفسه ليهاتفها كعادته فلن يُسرّ إلاّ بصوتها و لن يشرق هذا الصّباح إلاّ بضحكتها،يرنّ ناقوس هاتفه فيأخذه بيد مرتعشة كأوّل مرّة، يعتدل في جلسته و يتنحنح ، يبتسم قبل أن يضغط على زرّ فتح المكالمة ليقنع نفسه بأنّه متماسك و أنّ كلّ هوسه و اهتزازه ما هو إلا نتيجة عادية لفراغ يحدثه غيابها و هذه المسافات التي تفصلها عنه لذلك يبقى صوتها الصّباحي موقد دفئه و ضحكتها منارة ليله الدّامس و طيفها ملاك يزوره في نعاسه . يستكمل استعداده و يفتح المكالمة قائلا: رغم أنّ الانتظار يقتلني فإنّني لا أرى إلاّ صباحا هو صباحك يعبق بكل ورود الوطن القبليّ ، أنت يا مولاتي و مولاة زهر اللّوز أيّتها الحاضرة الغائبة، يا سيّدة مملكة الورد، لك شوقي و قبلاتي...عندما يكمل جملته الأخيرة تردّ بدورها قائلة: صباحك أحلي صباح، ما دمت ملّكْتني كلّ هذا الورد فإنّني أهبك ما يكفي و يزيد من الباقات، سأكون سيّدةً ظالمة لو حرمتك قُرْبِي و منعْـتُك ورْدي، هل أنت بخير و كيف أصبحت؟. يصمت بعض لحظات ثمّ يردّ بنبرة حزينة: أنا بخير، نعم أعتقد هذا، غير أنّني لا أدري أكنت سجيتك أم سجّانك ؟ تقطع كلامه مستفسرة و قد هالها أن تراه أن تسمع في صوته نبرة حزينة غير عادته: عن أيّ سجن تتحدّث يا رجل؟ هل يمكن أن تكون أميرة البحر و سيّدة الورد سجّانة أو بانية سجون؟ لتعلم أنك حرّ طليق لحدّ لا يخدشني أو يشعل غيرتي، فقط لهذا الحدّ، لمّا زرتك لم أترك لك سجنا بل تركت لك سلّة كبيرة من الذكريات الجميلة، من الهمسات الدّفيئة، بقايا من عطري، شعرةً من خصلتي، و خطوط أصابعي على ذقنك و قبلة حارّة مذيبة تكفيك مدّة غيابي و تقيك لسع البرد و تقتات منها كل ما افتقدتني، كلّ هذا لأجلك حتّى تشعر أنّك في مملكة العشق التي غابت عنها ملكتها لتعود بعد أيّام أو أسابيع قليلة ،لقد وعدتك بأنّني سأعود و أنت تعرف صدقي و وفائي بوعودي... أوبَعْد كلّ هذا تتحدّث عن سجن و سجّان؟...أخْجلَه ُكلامها و عَلِمَ أنّه رغم كلّ هذا الشّوق إليها فإنّه لم يفلح حقّا في يستهلّ صباحه كما اعتاد فأجاب في شكل اعتذار قائلا: لا أدري بالضبط ما الذي دعاني أن أفكّر هكذا، قد تكون رائحة عطرك التي تضاءلت بشكل لم أعد أتبيّنه أو قد يكون زوال خطوط أصابعك من أسفل ذقني أو خفوت لهيب القبلة أو هذه المسافة اللّعينة التّي بيننا أوْ هَوَسٌ لا أدري مَـبْعثه، أو ما لا أعلمه لكن كلّ الذي أدريه أنّني أحتاجك و أفتقدك كأنّتي لم أرك منذ سنين.

كانت تعلم أّنّه يفتقدها و أن هذا الفَقْد يُوَرّثُه بعض الشّعور بالحزن أو حتّى المرارة أو الغضب فذاك اللّقاء السّريع المقتضب و الذي لم يدم إلاّ بعض السّاعات و الذي سبقه سهد و خوف من أن لا تأتي و ارتباك البدايات الأولى و لهفة اللّقاء لم يكن كاف ليملأ الفراغ و يقرّب المسافات بل أشعل نارا جديدة بعد أن أطفأ نارا قديمة لذلك كانت تتفهّمه و تصدّقه بل و تشعر بتقصير من طرفها في صياغة و بناء قصّة الحبّ العجيبة التّي بينهما فقد حرمتها المسافة و البعْد و التزاماتها المهنيّة وبعض المعيقات العادية و الطّارئة من أن تعوّضه قليلا من شعوره هذا. كانت تشعر بدورها بمرارة تخفيها و كان كلّما اشتكى من ألم البعاد و وقْع شوقه إليها على قلبه تقول له: إنّ النّار التي تشتعل من بعاد و من شوق و افتقاد للحبيب حتى يأتي اليوم- الموعد الذي نطفئ فيه هذه النّار و نقتصّ من المسافة التي فصلتنا خير ألف مرّة من نار خامدة تالفة تتحوّل إلى رماد و تنتج من رتابة اللّقاء اليوميّ الذي إِنْ طَالَ أمَدُهُ يذوي الشُّعْلة التي في قلبك و هذا القَبَس الذي بين ضلوعي و كلُّ مَا يضئ ليلي و ليْلكَ رغم كل البعد و يشعل شموع أحلامنا و يزرع كل هذا الورد قي حديقة حبّنا فتتحوّل قصّتنا الجميلة إلى حطام أو إلى ركام بركان قديم، أيُرْضِيكَ حبيبي هذا ؟... أيُرْضيكَ أن نـتحوّل لأبطال قصّة حبّ فاشلة و قديمة ؟ إن كان هذا يرضيك فإنّه لا يرضيني بل و يثير غضبي، فَـدَعِ النّار تقتات من طول المسافة و الشّوق من لظى البِعاد و دعني أسمع خفقات قلبك من خلال هاتفك و أشاركك قهوتك الصباحيّة من خلال كل الورد الذي تلقيه عليّ، هذه القهوة الضرّة التي أعلم أنّك تفتقدها كلّ صباح مثلما تفتقدني، تثير غيرتي لكنّ ما يجعلني أتغاضى عنها هو أنّك تفتقدها صباحا فقط و تفتقدني كامل اليوم و جلّ اللّيل... هوّن عليك أرجوك، قد يكون الذي يُؤْلِمُ هو الذي ينْفعُ فأنا لا أريد لهذا العشق أن ينتهي كالنّهايات القديمة فقد كرهت الخيبة و كرهت قصص الرّماد.

من منّا يحبّ قصص الرّماد أو ما قيمة البركان الخامد ؟ هكذا تساءل و قد أقنعه تبريرها و رؤيتها الثّاقبة و المتّزنة لذلك ردّ قائلا: أنت محقّة حبيبتي فقد تموت الشّجرة من كثرة ماء الرّي، لن يقبل أحد قصص الرّماد و قصّة النّهايات الفاترة للعشق الكبير،سبق و أن حدّثتك أنّني عِشْتُ هذا أكثر من مرّة، لم يحالفني الحظّ و لم يكن الله في عوني لذلك تعِبْتُ و سافرتُ و أرسيتُ في موانئ كثيرة بحْثا عن مرسى يريحني من وِزْرِي و يحْمِل عنّي همّي و أثقالي فلم أفلح لذلك عرضتُ حِمْلي على النّهر رفيقي و صديقي منذ صبايَ فرفض متعلّلا بأنّ منتهاه البحر و أنه لو حمل قصص الرّماد لفسد لون شعاب المرجان و لأصبح البحر عاقرا وانتحرت كلّ الأسماك و عرضتها على الجبل معلّمي و صندوق أسراري و مأواي حين تضيق الدنيا فرفض موضّحا أنه لو حمل مثل هذا لانمحى لون الصّنوبر وفقد الإكليل و الزّعتر شذى عطره و لغادرت أسراب النحل بيوتها تاركة شهدها لوحوش الغابة، ثمّ عرضت حملي و قصص الرّماد على "شَقَب النّار "(1)فرفض ذاكرا أنّ ناره لا تقبل أن تخمد و أنّ الرّماد عدوّه و أنّ هذه المدينة الباردة و التي تحاصرها سحب الثّلج لا تقبل أن تفقد نارها حتى في أيّام القيظ و أنّ الملاهي ستغلق و تنتحر حسناوات المدينة اللواتي أضأن ليل السهارى في مدينة شقب النّار التي ستصبح مدينة الموت عوضا عن مدينة الملاهي ...

سيّدة الورد، لا أعتقد أنّك بعد هذا سوف تحدّثينني عن قصص الرّماد،فقد صار يكفي أن حملي لم يقبل به أحد و أن وزري لا تقدر على حمله لا الجبال و لا الأنهار و لا البحار و لا المدن مع ذلك أصرّ أنّ شوقي إليك يغلبني و أنّني مغامر و مقامر و أنّ وجودك أمامي بلحمك و عظمك و روحك يستأهل منّى أن أكون متهوّرا و متناسيا لكل القصص القديمة التي دفنتها في صدري و تناسيتها حتى انمحت تماما و ها أنا أولد من جديد من تحت ركام قصصي القديمة و يدقّ قلبي و أستفيق كالبركان النائم منذ قرون، فقد تواعدت مع العشق و الجنون و لا أراك إلاّ كذلك.

سيّدة الورد، يراودني ما أشتهي من الحلم الجميل في حضورك و غيابك و لا أحد يعلم ما بي فلتكنْ رغبتي في الحياة و متعتي في أن أسْتَظلِّ بقوس حاجبك مدْعَاة لأن يعيش من سوف يعرف لذّة هذا العشق في رحاب الجنان الذي غرسْناهُ لتستمرّ الحياة، أرجوك ارفعِي سيف أهدابك من على نحري فلم يَهْدر أحدٌ دمي حتى أموت هكذا دون أن أرتوي و أرفع عطشي إلى غيمة في سماء شتاء ذو مطر هطول فلا أعْرفُ بعدها الظّمأ و لن تشهدي بدورك بعدها للورد ذبولا . سيّدتي ، سيّان عندي، لم يعد يهمّني إن كنت سجينا أم سجّانا فقد علمتني الدّنيا أنّ كلاهما سجين و الأدهى أن السّجين يعلم سجنه وقد يدخله عن غير رغبة أو ظلما أم السجّان فإنّه يدخل سجنه اختيارا بدعوى حراسة السّجين فإن كنت سجينك و لا أظنّني إلاّ كذلك، يكون رجائي أن ترخي طوقي قبل أن يتهرّأ كاحلي و تعقل رجلي فتتفرّد بك المسافة الفاصلة بيننا و تخونني ساقي فلا أصل إليك إلاّ متأخرا عن الموعد ....

كانت في حصّة استماع شبه صامتة وهو يتكلّم على طرف الهاتف و قد فهمت أّنّه لم يجد ما يكفي من الصّبر حتّى يتصبّر و أن كلامها هدّأ من شوقه لكنه لم يكن إلاّ مسكّنا مؤقتا و أنّ ما يشبه الحمّى يصيبه فخافت أن تصيبها العدوى و عرفت أنّ ما به لا يشبه في شيء ما بها فسرّها هذا الوله و الولع حتى لو سبّب لها حرجا لأنّ جنونه لا يضاهيه
جنون وقالت في نفسها: "لا حرج في ذلك كلما كان الحبّ عنيفا كلّما كان محفورا في الذاكرة و منحوتا على القلب بما لا يجعله قابلا لأعراض الزوال، سيكون لمفعول الصّاعقة أثر كأثر الوشم على الجبين هكذا هم الرجال لا ترجّهم و لا تصرعهم إلاّ الصّاعقة ، نعم إنّ جنونه و بعض جنوني هما زاد هذا العشق لذلك سأغيب عنه لأشعل نارا و أعوده لتشتعل أخرى فقدر الحبّ أن لا يقتات إلاّ من النّار..."

لن أطفأ نارا أشعلتها الصّدفة و أقدارك و أقداري أيّها الرّجل،ناري من نارك و هذه النّار هي وليدة ما صار و ما سيصير بيننا سأظلّ حارسة الموقد و سأحتطب ما يكفي زادا للنّار خوف شتاء، فلا تنطفئ هذه النّار و لا يخبو نورها، أنت موقدها و أنا حارستها الأمينة فتصبّر على هذا الحرّ ... تصبّر، قد نلتقي في قادم الأيّام، لا أدري بالضبط متى، لكن قد يكون بعد أسبوع من الآن و لا أدري أيضا إن كنت سأجد الوقت الكافي أم لا ؟ لكنّني سأحاول أن أوفّر حتّى نصف ساعة لأراك لأنّني قد أكون مشغولة...

خيّم الصّمت و أخذته الدّهشة، لم يرد أن يتكلّم فقد يسئ فهمها كما يحدث أحيانا لكنّه شعر بوخز بعض الغيظ فكضم غضبه و خيّر أن ينهي المكالمة في أسرع وقت وهي أوّل مرّة ينهي المكالمة الهاتفيّة من طرفه بمثل هذه البرودة. عندما أنهى المكالمة شعر أنه يحب أن يعود سريعا لمكتبه كمن يهرب من شيء أو إحساس غير مفهوم لكنّه ظلّ يتمتم " قد أكون مشغولة...قد أكون مشغولة ؟؟؟ " هل هناك أهمّ من أن تراه حتى لو كان شغلا....؟

يـُـتْــبـَـعٌ...




09 ديسمبر, 2011

زرقـة بـحـر... و مـوعـد (20)


سيقف، سيتحامل، ستخونه كلّ شجاعته، سينتحر شوقا أمام جفونها، أيّتها المبتهلة لآيات العشق لا تقتليه هكذا، سيكون في حاجة لكل ما يبطل هذه الرّغبة في أن تظلّ في مكانها كتمثال فينوس، سيبتهل أمامها كالمريد أو الرّاهب، سيبني معبده في هذا المكان ليكون مزارا يوم يفتقدها، سيحتاج شجاعته من جديد و سيأخذها من أطراف أصابعها، ستكون كاللّيلة المقمرة القليلة السّحب تضيء المكان تارة و تغيب لترجع أكثر إشراقا لرواق المعبد، سيكون الأكثر جرأة بعد فقد الشّجاعة منذ حين، ستتعاقب ألاف الصّور في ذهنه، هل كان سيقول ليتها لم تأت حتى لا يعيش اللّحظة التي لا يريدها؟ لحظة المغادرة، هل كانت تعيش الآسف الحادّ و هي تستعدّ للرجوع؟ لا يجب أن يفقد شجاعته من جديد، يمسك أصابعها الباردة، يرفع ذراعها إلى الأعلى كقضيب من نور أو مصباح علاء الدين ، يبتسم، يجب أن لا تحسّ أنّه يتألّم و أنّ شجاعته تخونه، يرفع صوته عاليا ليخفي مشاعر لا يبوح بها كبرياء و عنادا، يقبّلها من جبينها، لهذه القبلة طعم آخر لا يقدر على وصفه بل أنّه يعجز تفسير معنى أن تقبل حبيبتك دون أن تدري لماذا؟ يجمع كلّ شجاعته بين يديه و يقول لها: " يجب أن نغادر المكان لم يعد لك متّسع من الوقت لتصلي في الوقت المناسب، لا أريدك أن تصلي متأخرة فهذا يقلقني لخوفي عليك ثمّ أن سلامتك أهمّ عندي من ساعة أخرى نقضيها سواء " أشارت بحركة إيماءة أنها توافقه الرّأي ثم سحبت حقيبتها اليدوية و وضعت نظّارتها الشّمسية على شعر رأسها بأعلى جبينها ثم وقفت أمام المرآة لترتّب شعرها و تعدّل رقبة قميصها و تشبك أزراره بشكل أخفى كامل صدرها و عقدها الفضّيّ الذي أنسدل بين نهديها يطلب دفئا يحسده عليه، كان يقف وراءها كجندي ينتظر أوامر المغادرة بينما كانت تراقبه في صورته المعكوسة على المرآة التي أمامها. استدارت إلى الوراء و وضعت يدها تحت ذراعه و دسّتها قريبا من أسفل ضلوعها و أعلى خصرها و قالت: هيّا لنغادر، تأكّد من أنّك لم تنس شيئا. قال: لا أعتقد أنّني نسيت أيّ شيء إلاّ بعض التّفاصيل الصّغيرة للّقاء.

كانت الطّريق إلى المحطّة قصيرة جدّا، أظهرت خلالها أنّها أكثر قدرة و عزم لتحمّل لحظات التوديع الثّقيلة أكثر منه، سألته في الطّريق قائلة: أراك خيّرت الصّمت كأنّك أضعت شيئا عزيزا أو كأنّك غبت في نهاية الرّحلة الأولى، هل أتعبك أن تسرج أحلامك و تستعدّ لمغادرة سعيدة؟ على الأقلّ سعيدة كما أراها ما دُمْتُ قُرْبك و ما دام قلبك يضخّ نفسا ممّا أعتقد أنّه ينعشنا كي ندوم للحظات أرْحب و أسْعد ، يجب أن ندوم لأجل كلّ الذي نحبّه فأسرع خطاك كي نصل للمحطّة كما أسرعت و أنت تستقبلني هذا الصّباح .

تثاقل في مشيته كأنّه يحمل صخرا، لم تطاوعه قدماه، أحسّ أنه في حاجة لمن ينهي هذه اللّحظة التي كان يخافها منذ أن انتظرها هذا الصّباح، لم يكن يعلم أنّها كذلك تشاركه هذه الرّغبة في أن تغيب مرارة لحظة الفراق دفعة واحدة فقد كان كلّ شيء رائع و كل شيء أنهاه قدوم هذا المساء المتعجّل. أمسكته من جديد من أصابعه و رجّته حتى ينتبه و يزيح هذا التجهّم الذي ظهر على تقاسيم وجهه ثمّ قالت: هل كنت تنتظر أن لا أعود هذا المساء؟ كأنّك تحلم أراك الآن كطفل صغير الذي تغلبه رغبته في تملّك لعبة يحبّها،أتعلم أنّه تعجبني في بعض الأحيان رغباتك الصبيانيّة و تغضبني في بعض الأحيان؟ ثمّ أنّه ما هو إلا اللّقاء الأوّل يجب أن تفكّر كم كان خفيفا و رائعا و شيّقا و كم تمتّعنا بهذه اللّحظات السّعيدة التي أرجو أن لا تختمها بهذا التقطيب الذي ظهر فجأة جبينك منذ خروجنا؟

أحسّ فجأة أنّه كطفل صغير ترضيه أمّه و ترتّب على شعره حتى يقبل ما لا يريد أن يرضى به، تساءل في سرّه " هل صغرت في عينها عندما أسأت ختم النّهاية لهذا اللّقاء الملائكي المغري أم أنّ أنانيتي غلبتني فرفضت نهاية لهذا الموعد". كان لهذا التفكير ما يجعله يرغب أن تدلّله كالوليد الجديد بين أحضان أّمّه و أن تلاعبه حتى يرضى تماما كالطّفل لكنّه تراجع، فقد كان يكفيه أن يتواعد معها في يوم آخر و في مكان آخر ليؤسّس لقصيدة عشق جديدة و يبنى حروف قصّة عشقه لها كما يشتهي. وضع يده على أعلى خصرها أحس أنها ترتجف كالسّمكة بين أصابع صيّاد، أخذ نفسا طويلا كأنّه يجمع ما بقي من شجاعته وقال: سوف أراك في القريب العاجل، أتعلمين كم أنا في حاجة لقبلة طويلة، الآن.. نعم الآن لولا أن هؤلاء المارّة الذين سوف يرشقوننا بالنّظرات التي تفسد لذّة القبلة؟ لا يجب أن تعتقد أن ما بداخلي خمد بل زاد اشتعالا ، كم يغريني أن أحتفظ بك كدرّة مكنونة، لكنني أعرف أنه موعد له نهاية و أنّه يجب عليك أن تعودي ...

سأنتظرك كأنّي لم أرك و أنصب خيمة عشقي على الرّبوة و أرفع عمودها حتّى لا يرى النّاس خيمة غيرها و أكسر شعاع شمس المساء على طريقك لتضيئه من هنا إلى حيث تسكنين و أضمّ كل أطراف شوقي و خلجات صدرك التّي كنت أسمعها منذ حين لأحتفظ بوهج نار تتعبني لكنّ دفئها يغريني كعاشق النّار و سأبني جملا ترتقي لروعة اللّقاء القادم على نحوٍ لا تمحيه مدّة الانتظار لعلّ ذلك يجعلني أقدر على الصّبر و على ليّ ذراع هذه الرّغبة الجامحة في أن لا تفارقيني أبدا . نعم سأنتظرك كأنّنا لم نتواعدا و لم أرك لأنّ هذه المساحة السعيدة التي سرقناها بعد طول إنتظار لم تكن كافية و حلّ محلّها شوق جديد يا جميلة العيون، يا أنت، يا التّي مرّت في يومي هذا كالنّسيم الخفيف في قيض.

لم تقل شيئا ما عدى إشارات تطمئنه و تفهمه أنّها تعلم ما يجول بخاطره و صدق كلامه و أنّها ستعود محملة بشوق أكبر و أنّها ستحرس رباط هذا النبيل من المشاعر التي في صدره و صدرها من كل الأمواج العاتية و قرصان البحار المارد فهي أعرف بالبحر منه و أكثر حرفة في شقّ العباب و اجتناب شباك الصيّادين، عاودتها الرّغبة في أن تساعده إنهاء بعض ألمه التّي أحسّته من رغبته في الصّمت رغم تظاهره باللاّمبالاة فقالت: يحب أن تعود للبيت مباشرة حتى تحفظ قطعة "الكايك" في الثلاجة كي تبقى صالحة لأكثر أمد معقول، سأهاتفك عند الوصول فلا تتعجّل الهاتف لكن كنْ على يقين أنّني سأفعل هذا منذ وصولي ، أظنّك ستنام باكرا لما أراه من الإرهاق الذي بدا عليك. فهم أنّها تعدّه بذكائها المعهود للحظة لا بدّ منها فشاركها فيما أرادت بإيماءته المتكرّرة و ابتسامة يعلوها الذّبول...

عندما و صلا إلى المحطة كان كل شيء شبه جاهز و لم ينتظر طويلا فقد صادف حظّها أنّ وصولها ناهز ساعة السفر التي لن يبقى منها إلاّ بعض الدقائق عندما همّت بالصّعود لوسيلة النّقل التّي بالانتظار حطّ يده على كتفها و قبّلها دون أن ينظر في عينيها خوف أن تخونه شجاعته أو أن تحسّ بوهن يعتريه بعدها ساعدها بيده في الصّعود إلى مكانها ثمّ نظر إلى من كان بجانبها امتثالا لغيرته المعتادة التي لا يستطيع لها دفعا فاطمئنّ نوعا مّا و نظر في وجهها لآخر مرّة و رفع يده في تحيّة لطيفة منه و قفل راجعا متجنّبا أيّ إلتفات و راءه لإصراره على مغادرة سريعة و حاسمة...

عندما غادر المكان قرّر أن يرجع مباشرة لبيته، لا حاجة له بكأس نبيد في هذا الوقت فلا شيء ألذّ من هذا اللّقاء الذي يضاهيه أيّ نوع من النّبيذ، وصل بيته نظر في أرجاءه ثمّ دخل المطبخ و وضع قطعة "الكايك" في الثلاّجة تماما كما أوصته ثمّ عاد إلى قاعة الجلوس و رمى بجسده فوق الكنبة ناظرا إلى سقف البيت. أغمض عينيه ليعيد ترتيب أحداث هذا اليوم حتى لا ينسى تفاصيلها و يحفظها في شريط ذهني. الموسيقى الهادئة هذا فقط ما كان ينقص هذا اللقاء هكذا تمتم في تبسّم و قد ذهب عنه ضيقه الذي شعر به و هو يغادرها. تمدّد قليلا في تثاءب خفيف و تذكّر أنّه لم ينزع حتى حذاءه فقد كانت رغبته في الإرتخاء و أخذ نصيب من الرّاحة أكثر من أيّ وقت مضى،هو يوم ليس ككل الأيّام وهو غروب لا يضاهيه أيّ غروب لم يشعل حتى الفانوس الحائطي لأنّه شعر أنّه في حاجة إلى غشاء من الظّلام يجعله في حِلٍّ من أيّ مراقبة و ليترك العنان لأفكاره و خيالاته التّي لا تعرف حدّا.

رنّ الهاتف فجأة، بحث عن مصدر الرّنين ثمّ تذكّر أنه في جيب المعطف المرمي على طاولة قاعة الجلوس القريبة من الكنبة، سحب المعطف إليه وأخرج الهاتف ونظر في شاشته بكل لهفة وتبيّن إسمها و رقمها فكانت هي، نظر في السّاعة الحائطيّة، مرّ ما يزيد على الساّعتين منذ أن غادرت " قد تكون وصلتْ" هكذا قال و ضغط على زرّ الاستماع. استبقته بضحكتها المعهودة المنغّمة غنجا و دلالا و قالت: " أطمئنك، لقد وصلت بخير و إنّني على بعد أمتار من سكناي، لم تكن السّفرة شاقّة كما اعتقدتُ فقد رافقني فيها..." ثم صمتتْ. إنتفض من على الكنبة وجلس ثمّ قال: من رافقك ؟ قالت : الكثير، الكثير، اللّحظات السعيدة التي قضيناها معا هذا اليوم و أحاسيس من الغيرة التي ارتسمت على وجهك بشكل مُلْفت و ظاهر للعيان و أنت تغادرني آخر مرّة في المحطّة، ألم يكن هذا كاف لتكون الرحلة مريحة ؟ فهم أنّها تمازحه لاعتقادها أنه مازال منقبضا كما لاحظت و هما في الطّريق إلى المحطّة و لتفرغ شحنة الغيرة التي اعترته لسبب لا زالت تجهله فقال لها: حمْدا على السّلامة، الآن فقط أستطيع أن أنام بهدوء و في راحة بال، أرجو لك ما لذّ من الأحلام و ليلة سعيدة ثقي أنّ سعادتي لا توصف رغم أنني أحسد وسادتك بل كلّ سريرك...ثم ضحك فردّت قائلة: تصبح على صباح مشرق و قطعت المكالمة.

أرجع الهاتف على سطح الطّاولة ثمّ سحب معطفه ليضعه على الشمّاعة، عندما همّ بهذا لفت انتباهه و جود شعرة طويلة عالقة قرب رقبة و كتف المعطف، أخذ الشّعرة بين يديه و تفحّصها ثمّ ابتسم للمصادفة التي لم ينتظرها فقد كانت إحدى شعرات خصلة شعرها فلونها وطولها يدلاّن قطعا على ذلك، وضع الشّعرة على المنديل الورقيّ الأبيض ليتبين اللّون أكثر ولمّا تأكّد من ذلك طوى المنديل وبداخله الشّعرة و وضعه بجيب القميص الذي يرتديه، كان قميصه بدوره يحمل رائحة عطرها التي لم تفارقه طيلة العودة لبيته، علامتان عزيزتان عليه يصحبانه الآن دون أن يقصد ذلك، شعرة من خصلة شعرها أبت أن تفارقه و عطرها الوهّاج الذي علق بقميصه عندما تعطّرت قبل مغادرة المكان، تذكّرها و حضرت صورتها من جديد كأنّها أمامه، عاوده الحنين إليها، أرجعته الشّعرة و عطرها العالق بقميصه لنقطة العشق الأولى لكنّه ابتسم، قد يكفي هذا الأثر منها لحين لا يقدّره...

عليه أن يذهب لينام فقد غالبه النّعاس و لم يعد قادرا على السّهر ثمّ أنه شعر بإرهاق و رغبة جامحة للنّوم. توجّه لسريره و نزع ثيابه ليرتدي بُدْلة النّوم. عندما نزع قميصه لفّه برفق و أخذ غلافا بلاستيكي من درج حافظة الملابس ثمّ وضع القميص فيه، كان يريد بهذا أن يحافظ على العطر العالق به لأقصى وقت ممكن ويحفظ الشعرة داخل المنديل في جيب القميص ، هكذا قرّر أن يكون القميص مزاره الصّباحيّ والمسائيّ كلّما اشتاق أن يشمّ عطرها أو أن يداعب شعرها و هكذا تكون معه في بيته هناك قرب سريره صامتة و سجينة درج حافظة الملابس رغم أنّه لا يرضى لها أن تكون حتى سجينته لكنّ غيرته صوّرت له سجنا جميلا، سيتعهّدها متى عنّ له هذا و تأتيه في عمق نومه كملاك طائر يحطّ على وسادته و بعدها تندسّ بين ذراعيه . ارتمى على سريره و احتمى بغطائه الشّتوي و أغمض عينيه مستعرضا كل وقائع اليوم حتى غلبه النّعاس فنام كطفل صغير...

هل نامت بدورها، هل أرهقها هذا السّفر هل أقتحم ظلّه سريرها و زرع وردة قرب و سادتها و طبع قبلة على أسفل شفتها هل حرمها نومها ؟ هل تظاهرت بنعاس كاذب حتى تثيره وتدعوه إلى وسادتها. متى لم يحدث هذا تكون نئوم إلى حدّ لا يوصف و تشبه كلّ خاليات الذّهن اللّواتي لم يطرق طارق قلبهنّ...

يُتْبع...