30 أغسطس, 2009

أعادي الكاهن ...و الملك


في البداية انا مع حريّة المعتقد ، لكل إنسان أن يؤمن بما يشاء و بمن يشاء، أن يؤمن بالله و اليوم الأخر فهو حرّ و ليس من حق أحد أن يمنعه أو يحد من حريته، ان يكون مؤمنا عاصيا حسب التصنيف الديني المتداول ، فهو كذلك حرّ، أن يكون مسيحيا أو يهوديا أو عابدا للنار أو البقرة أو الشمس ، أن يكون لائكيا أو ملحدا ، فهو بالطبع حرّ ، فمجرّد التدخل لثنيه عن معتقده سواء بالحسنى أو بالعنف هو تدخّل سافر في حرية الإنسان و حرية إختياره و معتقده. لكن متى أشعر بمعاداة هذا أو ذاك ؟

أعادي كل من إعتقد أنه ملك الحقيقة المطلقة ، و يريد ان يفرضها على غيره ، بالحسنى أو بالعنف ، لأن المعتقد جزء أساسي من إنسانية الإنسان و أن سلبه هذا يدخل في إطار سلبه لإنسانيته و لذاته، أن التدخل هذا يعدّ من الإنتهاكات الخطيرة و الإجرامية في حقّ الفرد و الجماعة، و هو ما تمارسه حاليا حلقات التبشير المسيحية التى تستغل حالات الفقر و المجاعة و الكوارث الأجتماعية في مختلف بقاع العالم للترويج لمعتقد ديني كان كارثة على المجتمع المسيحي ذاته حيث تحالفت الكنيسة و الملكية الإقطاعية لنهب الطبقة الفقيرة من "الأخوة" و الأخوات" في الدين ، و توزيع صكوك الغفران ، و الوعد بالجنة الدائمة و ليس بالدنيا الفانية، الى ان ثار هؤولاء المسيحيون من المظطهدين و حاكموا الملك و الكاهن (الثورة الفرنسية أقرب مثال) و تخلصوا من إزدواجية السلطة اللاهوتية و الملك المسنود برجال الدين.... و عليه ترعرع المجتمع الاوروبي على مبادئ إحترام حرية المعتقد و جعل الدين مسألة شخصية بحتة و انسجب رجال الدين تاركين مكانهم لصناديق الإقتراع و لمدرسة لا دينية تحترم حرية المعتقد، و لاتخجل من من ذكر تاريخ الكنيسة المظلم ، و تاريخ الكاهن الدجال و الملك المحتال.
و أعادي هؤولا ء الذين يريدون إدخالنا للجنة بالسلاسل ، رأفة بنا، و الذين يتقمصون دور الكنيسة في العهد القروسطي ، لسلب المجتمع كل مقومات الحرية والإنسانية ، و الذين يهاجمون كل نفس تحرّري ، خدمة للجهل ، و لمنع المجتمع من التحرّر الفكري و العقائدي ، حتى يفقد دوره الريّادي في بناء مجتمع متسامح مبني على إحترام المعتقد ، و متعاقد فعلى مع صندوق الإقتراع و ليس مع منبر الإمام ....هؤولاء هم الآن بيننا يمارسون "التبشير" و الترغيب و الترهيب ، و يمسكون عصا بيد وسيفا مسلولا بيد أخرى، يزدادون إعجابا بالسلطة و السلطة تزداد أعجابا بهم...

فعليك أن ترى هذا الفيلم الصغير لتفهم حجم المأساة التي تنتظر هذه الأمة و لتفهم سر التحالف بين الإمام و الملك /الكاهن الملك..
video

26 أغسطس, 2009

سي ابراهيم المؤدب ( المدّب)


سي ابراهيم المدّب رجل قارب الخمسين من العمر وقتها هو ابن عمتها و ترْبها و الوحيد الذي أشترك كل الإخوة في تدريسه بإحدى الكتاتيب ، و قد كلّفهم ذلك الكثير من المال الجهد ، لأنه يجب ان يكون في العائلة من يحفظ القرآن و يفقه في الدين ، ويعلم الصبيان في يوم من الأيام ككل العائلات الأخرى و بذلك يكون فخر أولاد سالم ، حتى لا يقال انهم جهلة و عاجزين على ان يكون أحدهم مؤدبا للصبيان ككل العائلات الأخرى ، لذلك كان الوحيد الذي لا يكلّف بالأشغال الفلاحية و لا بالرّعي ولا بجلب الماء من البئر ، فقد كان كل وقته مخصصا للدراسة و حفظ القرآن و التفقه في الدين.
حفظ سي ابراهيم القرآن كاملا قبل وصول السابعة عشر من العمر و حصل على رتبة المدّب ثم سيدي الشيخ قبل العشرين و و قع تكليفه بالتدريس و بني له كتاب سموه كتّاب اولاد سالم و لبس أحسن الملابس البيضاء التي تدل على علمه و فقهه و وقع تزويجة من أجمل إمرأة فهو فخر أولاد سالم فكان رمزا للطيبة و التسامح و التواضع و كان خدوما بشوشا الى ان جاء يوم آخر....
في بداية السبعينات ، خرجت فئة جديدة من المتدينين ، مدعومة من أطراف في السلطة ، انخرط سي ابراهيم فيها و أصبح أحد رموزها ، تبدّلت طباعه ، و أصبح مكفهرّ الوجه و عبوسا و أطال لحيته و طبع جبينه بسواد دائري تحت عمامته...أصبح يتحدث كثيرا عن العقاب و الثواب و المجتمع الكافر و المسلم و إصلاح الثلث بقتل الثلثين ؟؟؟
و الويل والثبور و عظائم الأمور...
لم يعد سي أبراهيم الذي تعرفه أبنة عمته التي طالما إفتخرت به أمام أهل زوجها فهو مثالها الأعلى قي العلم و الإخلاق و التسامح..حتى جاء اليوم الذي قدم فيه سي ابراهيم ضيفا على زوجها ، و كم كانت فرحتها كبيرة بإبن عمتها الذي لم تره منذ زواجها الآّ نادرا و بعد سنين ، يومها طبخت أحسن المآكل و أعدت مائدة تليق بقيمة الضيف المبجل و جلست تتنتظر قدوم ابن عمتها و ضيف زوجها .
دقّ الباب ، حمحم سي ابراهيم
ليعلن قدومه نادى زوجها : فلانة يا فلانة هاهو ضيفنا قدم ، نهضت مسرعة لتسلم عليه ، فرأت منديلا أبيض يغطي يديه؟؟؟ مدت يدها لتصافحه ،تلكّأ سي أبراهيم قي مدّ يده و تردّد كثيرا ثم عزف عن مصافحتها، سألته بكل براءة : مالك يا سي إبراهيم ؟؟ أيداك مريضتان ؟؟ لماذا تغطيهما بمنديل ؟؟؟ الله لا يوريك مكروه ، إن شاء الله برءا سريعا ...إجلس تفظل ...و ذهبت مسرعة للمطبخ لإحضار المأكل و المشرب..ألتحق بها إبنها و نادها جانبا قائلا لها:
- سي إبراهيم ليس مريضا و وهو في حالة صحية حسنة.

أجابته أمه:
- لكن لماذا يغطي يداه و تظاهر بالمرض ، أنا أعرف سي إبراهيم فإنه لا يكذب أبدا
.
رد الإبن قائلا:
- سي ابراهيم يعتبرك عورة و عليه فهو لم يمد يده حتى لا ينقض وضوءه فمصافحة المراة حرام و منقض للوضوء...ووو....
أحست بدوار و بشعور بالدونية و تألمت لتغير سي ابراهيم فلم يكن كذلك فقد لبسه الشيطان و العياذ بالله . نادت إبنها طلبت منه ان أن يقوم مقامها بوضع الطعام على المائدة امام الضيف ومن يومها أقسمت قسما غليظا أن لا تسلم عليه و ان لا تنظر إليه ، وطلبت من زوجها و أن لا يستدعيه ثانية للمنزل ثم انه لو صادف وان ماتت قبل موت إبراهيم المدب/الشيطان ان لا يقرأ في مأتمها أي شئ مما حمل في صدره بل وان لا يقف على نعشها و إلاّ لن تسامحهم أمام الله... و من يومها لم تره و تبدّلت صورته تماما من سي ابراهيم المدب الى إبراهيم الشيطان.

23 أغسطس, 2009

بــــلْــــطْ...في الهواء الطّــلـــق


الحركات الظلامية الوهابية و الغنوشية و قريباتها و بنات عماتها و خالاتها التي تعد المؤمنين و المؤمنات في الوطن و خارجه بإقامة العدل و الميزان بين جميع شرائح المجتمع المرعوب من العدل القزوردي الجاثم على صدورنا منذ عشرات السنين ، سوف تحدثنا عن محاسن إقامة الحدّ و جدواه في صناعة شعب معتوه و نظيف و خال من كل تساءل برئ أو غير برئ ، فيكفي ان ترى هذا الحصّة الوطنية لإقامة العدل أمام الملإ على إمرأة قبّلت خطيبها حتى تفهمون إلى أيّ عدل و مجتمع يتوقون ؟؟؟ وألى أيّ عهد يريدون الرجوع بنا...؟؟؟


video

فتاوي على الهواء...




video

14 أغسطس, 2009

الحلاّج ...وحيدا

أفاق الحلاج باكرا...تفقد الأرنب التي تربيها إبنته..تكاثر طبيعي للأرانب..أرنب إثنان ..ثلاثة...و العدد يزيد...يجب توفير العلف...الحلاج يحب الأرانب..كم من أرنب كانت سببا في نجاحه ـو نجاح بعض إخوته تذكر سنوات التعاضد كل شئ وقع تأميمه إلاّ الأرانب فقد عجز أحمد بن صالح على تأميم الأرانب...لقد كان أبي رحمه الله يلتجأ قصرا لأمي و يطلب منها أرنبا لضيفه فقد كاد الحزب أنذاك أن يحرمنا حتى من الأرانب الوديعة... ياله من حزب يجوع حتى من ليس علاقة بالسياسة...
الحلاج وحده في المنزل..الزوجة تعد الكسكس في يوم عيد المرأة بالبلدة..لا أثر لعيد المرأة عندنا ..حديث عن مستحقات الطلاق..و الصندوق الوطني لتوفير النفقة..و شروط الطلاق....و ما يتوجب على الزوج توفيره في حالة الطلاق..إنه يوم بائس..لا يحكي إلا عن المصيبة و معالجة المصيبة..لقد إتفقنا أن هذا اليوم يشبه يوم القيامة فهو التذكير بالعقاب و الثواب...ثم لماذا تركوا اليوم العالمي للمرأة الذي فيه كل ما يهم المرأة التي هي في حالة الحرب و اللجوء و الطلاق والعزوبية و التحرّش و عدم الأنجاب و حق التعبير و حقّ الرفض و هل حرية المرأة في نزع السفساري فقط ؟؟؟؟
الأرنب حيوان ولود و مسالم و أكول..لكنه ولود أيضا...لقد أحببت هذا الحيوان منذ نعومة أضفاري، فقد كان سندي في شراء أدوات التعليم و كانت أمّي تعتبر إن الأرنب هدية الله من السماء، و ذلك لم تطله تعاضدية أحمد بن صالح و لا مجلة الأحوال الشخصية التي إبتدعها بورقيبة ولا مسألة تحديد النسل البورقيبي ولا غيره ...
بعد أن أنهيت كل ما أملته عليا بنتي من العناية الموصولة بالأرانب،قررت الذهاب الى العاصمة لأرتشف قهوتي الصباحية ، كان كل شئ على ما يرام، تعادل في طعم الهزيمة لفريق كرة القدم،غياب اللحوم الحمراء في الأسواق الجانبية، الإستعداد لشهر رمضان،حوادث الطرقات،ذكريات أحمد بن صالح،......هات قهوتي أيها النادل....أكسبراس طويلة..أنا الآن أجلس في قهوة البالاس و كل شئ يمر حسب ما تحب الحكومة..المقهى ممتلئ بالجرائد الحكومية..إمراة تطلب سيجارة مارلبورو..و هناك من يتحدث" عن سباق الخيل ..الخمسة هو الرابح..أما اللص فهو بهيم...و الفريق الفلاني بطل بطل بسابق الإضمار و الترصد...و..وو..وو..
رنّ الهاتف المحمول...أنشالله خير ؟؟؟؟؟
- لقد قرّرت شعبة المؤسسة أن يكون يوم العلم يوم الثلاثاء القادم..
- أممممهههه....شكرا و ما الجديد ؟؟؟
- أنت صديقي...و سوف أبلغك أمرا مهما ...
- شكرا و ما الأمر ؟؟؟؟
- للأسف الشديد...إن بناتك ممنوعات من الحصول على جوائز يوم العلم ..
- لماذا ؟؟؟ وهل هنّ دون الشروط المطلوبة من طرف المِؤسسة..15 أو أكثر لهن ما يزيد عن ذلك.. وأكثر...ثم أن يوم العلم ليس مخصّص لمن هنّ أقلّ أو هم دون ذلك؟؟؟
- لا ..الأمر ليس كما تعتقد...أوافقك أن لهن كل الشروط للحصول على جوائز يوم العلم..
- ثم أعتقد أن الجوائز ليست من من أموال الحزب...بل هي من أموال المؤسسة..التي هي مؤسسة وطنية..يعني من أموال هذا الشعب الكريم ؟؟؟
- أممممهههههه.... يحب عليك أن تكون منخرطا في التجمّع...حتى تتمتّع بجوائز يوم العلم..
وإلا فلا مجال لذلك......
- شكرا على المعلومة...لا أستطيع أن أكون في هذا الحرج المفاجئ سوف أتصرّف....شكرا صديقي..


شكرا لهذا الصديق العزيز الذي لم يتركني في حرج أمام بناتي..تذكرت عيد المرأة...و قناة سبعة...و بطاقة الحزب الملعونة...و فرحة الحياة...و توجيهات الرئيس..وبيان السابع من نوفمبر...و الشيخ حساّن ...و الشباب هو الحل... و الكونبطان و رغبته في أن يعيش أبناءه خارج "الوطن" و النشيد الرسمي "نموت نوت و يحيا الوطن" ومن في النهاية سوف يموت؟؟؟؟..و أبي رحمه الله الذي قال " ما يعيش في ها البلاد كان الطحّان". فكرت طويلا.. قررت ان أعلم بناتي أن ليس بوسعهنّ الحضور ليوم العلم لأسباب تخرج عن نطاقي و عن نطاق من كانوا مثلي من غير منخرطي هذا الحزب و أن حل الكونبطان كان حلا أراحه و أراح ذريته...

أجدني مجبرا على الحديث عن عيد المرأة، و نزع السفساري ، و ترك العقول و الحقوق مقفلة و مقفرة ، فنزع السفساري لم يكن علامة لحق المرأة/الفتاة في عيش كريم. فالحرية ليست في النفقة أو الكساء و وابل من الإجراءات التي تعمّق عزلة المرأة بل الحرية في نزع غشاء العقل وحق ّ الإختيار والتساوي اللا غوغائي بالرجل الأب و الزوج و الأخ وتمكين المجتمع كافة من الحرية و حقّ الإختلاف الذي لا يلغي المواطنة و حقوقها ...

نسيت ان أذكركم أن أرابنا التي نجت من التأميم غمرها و أغرقها الطوفان سنة 1969 ...و قد كان ذلك تحالف الطبيعة و السلطة لإفقار هذا الشعب...




-

08 أغسطس, 2009

كان في الإمكان...أن يمر النهار ككل الأيام

نهضت باكرا كجل الناس، غسلت اطرافي و وجهي، نظرت إلى الساعة، مازال متسع من الوقت، فتحت الحاسوب، رأيت مستجدات الفايسبوك ، و صندوق الرسائل و تن بلوق ، وكل أشيائي الصغيرة. كان ممكنا ان اكون مواطنا عاديا ، يشتري الخبز و يلعن كل من تسبب في تجاوزات المرور و ، و يرفض الإرتشاء الأداري، و الغناء و الموسيقى الهابطة، و مهرجانات الفوضى الشعبية و كل الزبالة في شارع البيئة،و السيارات الشعبية التي تعكر صفو الحياة إن وجدت، كل هذا وغيره كان ممكنا..كنت أفكّر حتى في الأنتخابات و حركة فتح ومن مع أو ضد الهزيمة؟ و هل أحمد سعدات أسير فوق الرتبة ؟ و ما هو موقف أبو علي مصطفي من حماس ؟؟
فتحت الفايسبوك ، هناك الذكرى الأولى لوفاة محمود درويش..الحمد لله أنه مات و لم يحضر مجزرة جديدة...أعتقد أن الموت ينقذنا من كثير من المآسي..
ما أحزنني حقّا هو هو فيلم صغير لمشهد تعذيب فتاة مصرية لا تتجاوز العشرين سنة من عمرها من طرف البوليس المصري الذي يجبرها على خلع ملابسها تحت طائلة التعنيف و الضرب المبرح ، و قد إستجدت هذه الفتاة البوليس الوحش ان يعفيها من كشف جسدها لكن الحيوان أصرّ على ذالك...وفعلا إظطرت المسكينة تحت التعذيب على خلع كامل ملابسها... مشهد آلمني و جعلني أسيره و تأكدت أن طالبان المصرية كطالبان الأفغانية و أن الصهاينة يطلقون رصاصة الرحمة بينما يرفضها البوليس المصري....
لا أستطيع نشر الفلم حتى لا أسبب ما سببته لنفسي من الأنزعاج و الصدمة..لكن أين المنظمات الحقوقية و الإنسانية و النسائية في مصر و خارج مصر، وما أهون المواطن في مثل هذه البلدان ؟؟؟؟

06 أغسطس, 2009

زوجة الكنبطان..الجزء الأخير


لآ أحد يعلم كم دامت رحلة الشيحاوي بين تونس و الجزائر، لكن المهم أنه وصل للجزائر لمدينة تبسّة تم انتقل لمدينة سوق أهراس و من بعدها للجزائر العاصمة و هذا ما دلت عليه الرسالة الأولى و الثانية التي بعث بها لزينة و و التي أعلمها فيها انه لا يرتاح لبقاءه بالجزائر و انه سوف يسافر لمصر او سوريا وان الجو السياسي غير مريح بالمرّة حيث أنه لم يجد الإستقبال الذي أنتطره....

ولما علمت السلطة بهروب الشيحاوي و مجموعة من اليوسفين و قع إعتقال صالح الجربي المعروف بولاءه لصالح بن يوسف وأنه أول من كوّن خلية لليوسفيين بالمنطقة، ولم يعلم أحد أن كان تعرّض للتعذيب ام لا، لكن الأكيد انه سلم البوليس السياسي قائمة بأسماء المتعاطفين و الأنصار، و عليه وقعت عملية تطهير كبرى و وقع زجر الكثيرين كما وقع إعتقال العمدة الذي سهل هروب الكثير من اليوسفيين و و قع الحكم عليه بالسجن لكن تدخل زوجة الرئيس السابق أسقط عقوبة السجن بينما وقع حرمانه من كل حقوقه المدنية و من السفر خارج القرية إلا بإذن مسبق، و لم يمنح جواز السفر ألا مرة واحدة سنة 1971 عند أداء مناسك الحج و بعدها سحب منه الجواز كما تعرض لشتى المضايقات و منها توبيخه لعدم الحضور لأستقبال بورقيبة سنة 1975 عند قدومه الذي ذكرته سابقا كما وقع تجريده من العمودية و وقع أرجاع حقوقه المدنية في سنة 1989 عند رفع المضايقات على كل اليوسفيين الذين مازالوا على قيد الحياة .

أعتزل صالح الجربي الناس و مكث بمنزله و أفلست تجارته بحكم مقاطعة الناس لسلعه و لم يبقى له إلا المسكن الذي لا زال على ملك ورثته لحد اليوم و قطعة صغيرة من الأرض و توفي بعد سنتين من أعتزاله الناس و دفن بجربة . بينما تزوج الكنبطان "زينة" بعد طلاقها من الشيحاوي بحكم الغيبة، و اتفق الناس ان زواج الكنبطان من زينة كان متفق عليه بين الشيحاوي و الكنبطان ان لم يرجع لتونس بعد سنتين.و انجب الكنبطان بنتا وولدا يعيش بفرنسا و يعمل بها منذ بداية الثمانينات حيث طلب منه والده العيش هناك و عدم البقاء بتونس و توفي الكنبطان في نهاية التسعينات و توفيت زينة حديثا.
بينما انقطعت أخبار الشيحاوي و لا يعرف أحد نهايته و لا أين يعيش لكن هناك من يقول انه سافر لسوريا و عاش هناك و هي أخبار غير مأكدة و انتهت حكاية اليوسفيين و رجع جل الجرابة لجربة بعدما أصبحت قطبا سياحيا كبيرا عكس القرية التي لا زالت تتخبّط بين براثن الفقر و التناسي و البطالة إلا ما جادت به الطبيعة من أمطار لتدبّ حركة الفلاحة.

غناء


مجروحْ في مسكنْ الرّوحْ *** و جرحي يقطّرْ بد مّـــــــــهْ
جرالي كما يتيّم الـــــدّوحْ **** مسْكين ينحبْ على أمّـــهْ

02 أغسطس, 2009

زوجة الكنبطان/الهروب..الجزء الثالث



إرتمت" زينة "بين قدميه باكية تضرّعت له أن لا يتركها وحيدة ، فهو أبوها و أخوها وأبنها و زوجها في آن واحد،وهو من أحبته بكل جوارحها ثم أنه لم يبقى لها في الدنيا إلاّ سواه، نظر إليها "الشيحاوي " نظرة العاجز و المشفق و قال لها بنبرة حزينة :يجب ان أرحل ، حياتك عندي أغلى من أي شئ في الدنيا ،ثم أنني لا أريد تعريضك لمكروه الموت أو التعذيب و الزنازين،أولاد الحرام لاإخلاق لهم، أنهم يريدون إذلالي و إذلالك" وقفت بعد أن كانت جاثمة على ركبتها و نظرت إليه و فهمت أن لا أمل في بقائه معها، فسحنة وجهه على غير عادتها ، وكل حركاته طيلة شهور غير معتادة ، فقد أكثر من شرب الخمر و الإنزواء و مصاحبة الكنبطان ، حتى ظنت أن عدم إنجابها للأطفال هو ما يقلقه و تمنت أنها لو أنجبت ما يكفي من الذكور و الإناث لإسعاد الشيحاوي و إدخال البهجة لبيتها فلا ينقص هذا البيت إلاّ الأطفال ..نظرت أليه ثانية فرات دموعا حارّة تنهمر على وجنتيه فلأوّل مرة منذ زواجها تراه يبكي فحتى عند وفاة أمه لم يبكي بل تماسك و وقف كالجبل رغم يكنّه لأمه من حبّ ، نعم إنه يبكي بكاء الأطفال ، بل يخفي وجهه بين كفّيه حتى لا تلتقي عيناه بعينيْ "زينة" فقد شعر أنه ظلمها بهذا الزواج .

خرج الشيحاوي لتفققد البئر، و البغلة،و "السانية" و الكرمة كانه يودّعهم ، إلتحقت به زينة حافية القدمين مرتعشة و وجلة ،لقد تخيلت ان الشيحاوي سوف يرمي بنفسه في البئر، لكنها وجدتة يتلمّس جّذع الكرمة التي طالما سقيها و أكل من ثمارها. إلتفت الشيحاوي إلى زينة و قال لها : أوصيك خيرا بكل هذا سوف أترك لك ما ملكت ، لعلني أعوضك عن غيابي، لقد تركت في الصندوق ما يكفيك من المال سنة أو سنتين و تركت عند الكنبطان أموالا أخرى ، عندما تحتاجين لمال أو غيره فسوف يسلمك ما تشائين. لست أدري كم سيطول غيابي ؟ لكنني على كل حال سوف أراسلـــك من الجـــزائر .صاحت "زينة" من الجزائر؟؟؟ فردّ عليها قائلا:
- نعم ، من الجزائر سوف أسافر ليلة السبت القادم أي بعد ثلاثة أيام ، و إذا كنت محضوضا فإن سفرنا سيستغرق أربعة أو خمسة ليالي ، سنمشى ليلا و نختبأ نهارا ، من يدري لعل الحظ يكون جانبنا و نفلت من المراقبة، المهم أن تخرجي نهارا لسقي البغلة و تفقـّد السانية و البئر وانت ترتدين لباسي هذا واعملي على ان يراك عبد الواحد القوّاد ، فهو مكلف بمراقبتي و مراقبة حركاتي ، سوف تقومين بهذا كل صباح و كل مساء ، و بعدها تخرجين بلباسك النسائي لجلب الماء من البئر مرة او مرتين في اليوم و هكذا تتواصل عملية المغالطة مدة ثلاثة أيام ، بعدها أكون قريبا من الحدود الجزائرية أو وقع القبض عليّ . نظرت إليه في إندهاش ثم قالت و ماذا أقول للكنبطان لو سألني عنك، فقد إعتاد جلستك و منادمتك .فقال لها : لا تقلقي ، الكنبطان على علم بكل شئ، ألم أقلك أنني تركت أموالا عنده لتتسلميها متى شئت ، إني أخاف أن ينتزع منك البورقيبيون كلّ أملاكي و أموالي ويصادروها فقد إعتادوا على ذلك. لقد أوصيت الكنبطان بك خيرا ، وأنا أعرف أنه سيكون في مستوى ما أنتظر منه . بعد أسبوع من غيابي أعلني للناس غيبتي ، و هروبي لمكان لا تعرفينه و إن كتب وأن نجحت في الهروب سوف أبعث لك برسالة من الجزائر لأعلمك أنني هربت و أعتذر لك لعدم إعلامك بهروبي ثم أبعث برسالة مماثلة للكنبطان بها نفس المحتوى تقريبا حتى أجنبكما شرّ تتبعهم و استفزازهم.

كل شئ و قع ترتيبه على أحسن ما يرام ، فالشيحاوي سيرافق بعض الضيوف الغرباء الذين قدموا لحضور زواج إبن العمدة، فهم بدورهم يوسفيون من وسط و جنوب البلاد قرروا الهروب من تونس و الإلتجاء للقطر الجزائري و بعدها سوف يتخذون القرار المناسب إمّا البقاء بالجزائر أو السفر لمصر او لبعض الدول الأوروبية.سوف يودع العمدة مابقي من ضيوفه نهارا ليتجهوا لجهة مكثر لمراوغة البورقييين بينما يتجه الباقي من اليوسفيين للغرب في إتجاه الجزائر.سوف يلتجؤوا لأصدقائهم من الثوار الجزائريين الذين إستقروا سابقا بجهة وادي ملاق و جهة الطويرف و قرن الحلفاية فالوقت حان لردّ بعض من الجميل السابق و لو أنه لا جميل بين الثوّار و الوطنيين.ثم ان بعضا من الغرباء على معرفة شخصية بالهواري بومدين عند إقامته بتونس في الحلقة الزيتونية و عندما كان يزور الناحية الشرقية او مدينة قالمة سرّا، و هم على ثقة أنه لن يتركهم و لن يسلمهم للبورقيبيين .
تعانق الشيحاوي و الكنبطان طويلا ، و نزلت دموع الكنبطان التي لم يعهدها أحد من قبل ، فحتى يوم تجنيده بالجيش الفرنسي لم يبكي فراق أهله، نظر الكنبطان طويلا للشيحاوي و قال له كما قلت لك : حافظ على سلاحك و لا تفارقه فهو رفيقك الأكثر فعلا يوم الشدّة و لا تطلق الرصاص ليلا فلعلعة الرصاص مسموعة أكثر و لا تشعل نارا و أترك آخر الخراطيش لرأسك فالموت أهون من أن تقع أسيرا لعدوّك الذي لا إخلاق له و لا شرف عسكري له. مهمه الشيحاوي : "العدوّ...العدوّ..." يال سخرية التاريخ فقد كان يظن ان عدوه هو الأستعمار الفرنسي و الأنجليزي فأصبح اليوم عدوّه تونسيا لحما و دما ؟؟؟ رد الشيحاوي : نعم نعم ، لا تقلق يا صديقي ، "زينة" أمانة في عنقك لم يبقى لها أحد في هذه القرية غيرك،و إن طال غيابي أكثر من سنتين فتصرّف كما قلت لك ، و إن ظهر أخاها و أرادت السفر معه فأتركها تفعل ما تشاء و تبيع ما تشاء ...و لا تنسى أن تعلن غيابي بعد ثلاثة أيام ، حتى تتجنب متابعتهم لك...
رجع الشيحاوي لبيته فوجده مظلما ، يقطع الصمت نحيب "زينة" التي تاكدت انها لن تره ثانية بعد اليوم و أن غيابه سوف يطول فكل شئ يدل على ذلك فقد سلمها مصوغ أمه و اوراق ملكية الأرض و البئر و سلمها برنص أبيه و بعض المقتنيات الأخرى..... و.....المقرون ، لم يحمل معه إلا بعضا من المال و اللّباس و مسدّسه و خاتم أبيه الفضي.
دقت ساعة الرحيل فقد سمع ضربا خفيفا على الباب ، دقة ثمّ دقتان، كان ذلك هو علامة السفر و علامة أن العسس غائبون و أن كل شئ جاهز ، عانقها طويلا و تمنى لو طال عناقه دهورا ، و نظر إليها و قال لها : لك ما يكفي من الخراطيش و لا تنامي إلاّ و المقرون بجنابك و تحت غطائك ، كان الله معك......وخرج لا يلوي لى شئ ليلتحق بالغرباء......يتبع